ابن عجيبة

117

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قلت : ( لولا ) : حرف امتناع لوجود « 1 » ، تلزم الدخول على المبتدأ ، وخبرها واجب الحذف عند سيبويه ، أي : لولا فضل اللّه عليكم ورحمته موجودان ، وقال الكوفيون : فاعل بمحذوف : أي : لولا أن ثبت فضل اللّه عليكم ورحمته ، و ( لكنتم ) : جوابها . يقول الحق جل جلاله : واذكروا يا بني إسرائيل حين أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ أن تقبلوا تكاليف التوراة ، وكانت شاقة عليهم ، فلما أبيتم قبولها ، قلعنا الطور ، ورفعناه فوقكم على مقدار عسكركم ، كالظلة ، وقلنا لكم : خُذُوا ما آتَيْناكُمْ من التوراة بجد واجتهاد ، وَاذْكُرُوا ما فِيهِ من الوعظ والتذكير لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ اللّه ، فتفوزون بالخير الكثير ، فقبلتم ذلك كرها ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ وأعرضتم بعد ذلك ، فسفكتم الدماء ، وقتلتم الأنبياء ، فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بتوفيقكم للتوبة ، وَرَحْمَتُهُ بقبولها منكم ، لخسرتم الدنيا والآخرة . وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ما جرى للذين اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ في زمن داود عليه السّلام ، وذلك في قرية يقال لها : « أيلة » ، كانت على شاطىء البحر ، وقد نهوا عن الاصطياد يوم السبت ، فكانت الحيتان تخرج يوم السبت شرّعا ، فتخرج خراطيمها للبر ، فإذا كان يوم الأحد دخلت في البحر ، فحفروا حياضا ، وشرعوا إليها جداول ، فكانت الحيتان تدخلها يوم السبت فيصطادونها يوم الأحد ، فلمّا لم يعاقبوا على ذلك أحلّوا يوم السبت ، فانقسمت القرية على ثلاث فرق : قوم نهوا ، وقوم سكتوا ، وقوم اصطادوا ، فمسخ من اصطاد قردة وخنازير ؛ الشّبان قردة ، والشيوخ خنازير ، فبقوا ثلاثة أيام وماتوا . فجعلنا تلك الفعلة التي فعلنا بهم - نَكالًا وزجرا لِما بَيْنَ يَدَيْها في زمانها ، وما خلفها ؛ من يأتي بعدها ، وَمَوْعِظَةً : وتذكيرا لِلْمُتَّقِينَ من أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . الإشارة : اعلم أن المريدين إذا دخلوا في يد شيخ ، وأخذوا عنه العهد ، حملهم من أعباء التكليف وخرق العوائد ما تموت به نفوسهم ، وتحيا به قلوبهم ، كذبح النفوس وحط الرؤوس ودفع الفلوس ، فإذا هموا بالتقصير ، ظلل عليهم جبل همته ، وأدار عليهم يد حفظه ورعايته ، ولذلك قال الشيخ أبو الحسن : ( واللّه لا يكون الشيخ شيخا حتى تكون يده مع الفقير أينما ذهب ) . والمراد باليد : الهمة والحفظ ، ولا يزال الشيخ يراسلهم بهذه التكاليف ، ويحضهم على الأخذ بها ، والاجتهاد في العمل بها ، حتى تموت نفوسهم وتحيا قلوبهم ، وترسخ معرفتهم ، وتكمل تربيتهم ، فحينئذ ينتقلون إلى روح وريحان في جنات الشهود والعيان .

--> ( 1 ) أي : امتناع شئ لوجود غيره .